28‏/01‏/2010

فقد رآني حقا

كنت أنتظره بفضول لايوصف , حتى اذا ما تجاوز باب الحافلة, أشرت له بيدي ليعلم مكاني ,متشوقا لأسمع منه عن زيارة الأمس, فكل صباح كان يوسف يخبرني أنه رآه ,كان يرسم لي أدق تفاصيل وجهه ,أحاديث بسيطة دارت بينهما, كثيرا مارتب على كتف صديقي, أو مر طيفا رقيقا من بعيد , ناظرا له... مبتسما او مودعا في لطف وارتياح تام ...



كان يحزنني ان احرم من رؤياه, لا أعلم ان كانت المحبة او الفضول او الغبطة دافعي, اذكر ان الوقت كان بعد صلاةالمغرب, اتجهت الى غرفتي بعد ان اضناني الشوق ,وأغلقتها واخذت أصلي وأدعو كثيرا.... انتابتني نوبات بكاء رق فيها قلبي كثيرا.... حتى اذا ما سلمت انني ارتضي من ربي مايقضي به, بمحبة وخضوع تام ,اغمضت عيناي, فاذا ظلمتي تنجلي نورا ,وأرى وجهه- صلى الله عليه وسلم -واضحا جليا منيرا.... ناظرا الي في عمق مقلتي.... لكن بصمت تام.... افقت بعد ان ادركت ما تحقق مندهشا فغاب ماكان متجليا.......





مرت سنوات وأيام..... الى الان كلما أتيت قبيحا اكرهه أو فحشا أعافه لكنني أأتيه.... اجدني أسدلت أهدابي ناظرا اليه, بحرج وشوق ,صامتا تماما..... لكن بنوبات بكاء يرق فيها قلبي كثيرا.... اتأمل وجهه- صلى الله عليه وسلم- دون ان تلتقي اعيننا, بانكسار وتمزق تام...... اجد هذه الكلمات تتكرر بداخلي دون ان انطق بها:.
يارب..... اريتني بفضلك ورحماك وجهه وعرفتني اياه... فلا تحرمني من رفقته هناك, بقبح ما افعل هنا ....يارب سامحني واجبرني في ضعفي.... وأسدل علي سترك سبحانك........ فانا على عهدك ووعدك ماستطعت ....ماستطعت يارب.... ثم اغرق في نوبات بكاء يرق فيها قلبي كثيرا....................

25‏/01‏/2010

سجن العمر

قبل أن أبدا بمناقشته أخبرته الآتي:

-ما سيحدث الآن فور ان تحاورني سيكون كالتالي:مهما أخبرتك من مواقف وحوادث ستعيش دائما وأبدا "دور الضحية" ثم ستظل تعيد مرارا وتكرارا أنني اظلمك ولا أعدل, ثم ستتجه الى حقيبتك فتجهزها راحلا في صمت, حتى إذا مر اسبوع بالأكثر, وجدتك عائدا من جديد في صمت ايضا , ثم تمضي الحياة على جمر تحت رماد هروبك المعتاد......



وعدني أنه لن يفعل هذا السيناريو المفترى مني ,وبدأ حوارنا , دام لسبع ساعات متصلة, خلال هذه المدة حاول جاهدا ان يتقمص دور الضحية, فأذكره بالسيناريو فينتهي, أخبرته ان "الهروب"من طبعه, فهو يهرب من كل شيء..... عمله لم يكن مرضيا له, تحرك كل من حوله باحثين عن فرصة جديدة ,لكنه ركن الى ما يعمل هاربا من منافسة في عمل جديد ,ومجهول لا يعلمه, اصدقاؤه دائما اقل منه شأنا, بدلا من ان يرتقي بمن يعرف, يهرب من ذلك ليكون أسدا على أرانب ,لا يتحمل مسؤولية اي شيء, حتى ابسط امور حياته يحملها لغيره, ثم يتهم الايام انها لم تمنحه الفرصة, وان هذا نصيبه وقدره من الحياة.....



مرت السبع ساعات متصلة, ساد صمت رهيب بعدها ,ربما لما اصابنا من تعب ,او خجلا من تساقط آخر ورقة توت, وعدني خلال حديثنا انه سيغير" طبعه "ويبدأ حياته من جديد, ووعدته اني لن احاوره مجددا حتى وان لم يتغير, فلن نتحاور ابدا بخصوص اي شيء, فلا داعي لتجريح اكبر, مرت ساعتين فوجدته يعد حقيبته من جديد لكن بانكسار كبير.....





*********************



مايعرفه صديقي من الامثال لا يتجاوز هذه الكلمات:." الطبع يغلب التطبع "و"الطبع غلاب " فهو انتهازي طفيلي حتى النخاع ,بعد ان ودعته لغربته, اخبرني ان سيصبح انسان آخر, مر عامين وعاد لوطنه, قضيت معه اسبوع, في نهايته وجدته يسألني :.

-كيف تراني بعد عامين من الغربة؟

كانت اجابتي قاسية عنيفة لكنها صادقة_او هكذا اعتقد_اخبرته الاثي:.

-الناس اذا ما اغتربوا نضجوا وكبروا اما انت اذا ما اغتربت اصبحت طفيلي اكبر وانسان اصغر..... "من حينها لا اعلم شيئا عنه: )"



************************



كثيرا ما نستخدم كلمات مثل "من يومه" و"طول عمره" لنقرر صفة او طبعا التصق بأحدهم, أحيانا نتوهم أن تغيير بعض الظروف قد يعيننا على تغيير طباعنا السيئة, لكننا نفاجأ أننا نأتي بفعل نكرهه ونحقره من اعماقنا, ونعلم انه يحرمنا الكثير, وانه لا يليق بنا, بخدر رقيق وغواية تامة من طباعنا , فنسجن في دائرة مغلقة لا نتجاوز قضبانها ابدا ,لنصبح من يومنا انتهازيين وطول عمرنا انهزاميين او مفطومين على الكذب....



"ان زهرة عمرنا الفكر وسجن عمرنا الطبع" توفيق الحكيم...



على ان سجن عمرنا قد يكون جنته بما تملك من طباع حميدة وان بطاقة ترحيلنا منه للحياة , هذه الكلمات:.



"والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا" و"ان تصدق الله يصدقك" ........



ذلك وعد الهي بتغيير ما لاترضى عن نفسك بقي ان تصدق مع ربك ونفسك ومع من يحبوك.....ودع عنك التحجج بالظروف والاقدار فانا ايضا لدي طبع ابغضه اشد البغض اتحرر منه احيانا فاسعد واتحجج بمعاشرتهم فاعود اليه....

ماذا عنك؟

ارفع معنوياتي رجاء.......

حدثني عن اي تغيير حققته....وخذ بيدي....

15‏/01‏/2010

نور

يارب كيف يكون افتتاح جنتك؟كيف يحتفل المؤمنون بافتتاح قصورهم فيها؟كيف نخلد في نعيم دائم دون ملل؟الاعتياد يقتل اي سعادة,فكيف ستحفظنا من الرتابة ؟ماذا ستكون انشطتنا في الجنة؟ترفيه دائم ؟ام علم ام تزاور وعبادة؟ام خليط بينهم جميعا؟؟



********************



ماحدث اننا حضرنا افتتاح برج دبي,فور ان انطلقت الالعاب النارية ,انفجرت فينا سعادة لاتوصف,ابهار ليس له مثيل,ظللنا مشدوهين امام متعة مانرى ونسمع,بعد برهة سكت كل شيء,ارتفعت الموسيقى قليلا,ثم عادت الالعاب النارية من جديد,لكن بتتابع اسرع,كنا قد اعتدناها,وتوقعنا هيئتها وصورتها,خفت صياحنا وتصفيقنا كثيرا,ثم اخذنا نتحدث فيما بيننا اكثر,أغلقت الافواه المشدوهة من الابهار,والتهت عن متع الحواس بالاعتياد,ثم تحولت للحديث والمزاح,متجاهلة ماكان يبهرها من لحظات,فقط لانها اعتادت وتوقعت ما سيحدث....إلهي ...كيف ستحفظنا من التعود وتخلدنا في سعادة وابهار لاينتهي في جنتك؟





في نافورة دبي,تجتمع كل عناصر الابهار,فأنت تسمع وترى وتنفعل,ثم تتمنى ان تكون قطرة ماء مبهجة رقيقة,مقطع موسيقي او اغنية صغيرة,يتم ربطها بحركات مائية غاية في السيولة والجمال,بعض المؤثرات الضوئية يضفي لمسة ساحرة على المكان,نغم يتحول بميوعة المياه الى كلمات تراها لكنك لا تقرأها أو تنطقها,تدركها فقط بوجدانك,ينتهي العرض وأن تتمنى ان يستمر بلا نهاية ,تتعجب من تصفيق الجميع بقوة وانفعالهم للاشيء,فأنت تقف امام بحيرة مائية بها مجموعة نوافير تتحرك على خلفية موسيقية ليس اكثر,لكنك لا ترى انسانا واحدا ممن ابدع العرض,هل نحيي بتصفيقنا قطرات المياة الرقيقة؟؟ممتنين لها؟ام نحتفل بالبهجة المتفجرة فينا؟؟



يخبرني صديقي انه يتعجب من فعل "الضوء"وإبهاره,تلك الومضات البسيطة تضاعف البهجة وتكسب الجمادات روحا ومعنى,"فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"اذا اردت ان تبدع وتبهر الوجدان,فحقق متعة النظر واربطها بالاذن بفكرة وصل لم تخطر على قلب بشر.....اعجبني قول صديقي و ادراكه للحديث كثيرا...العجيب اني استحضرت نفس الحديث في نفس المكان لكن بسؤال اخر:هل مانراه في الدنيا من امتاع وجمال يشوقنا للاخرة والجنة؟اذا كانت هذه سعادتنا هنا...وهذا خلقنا وابداعنا هنا ...فكيف بابداع بديع السماوات والارض؟؟ونحن هنا انما نحاكي ما صنع ونستلهم مما خلق لنا,فكيف بتخليق منه سبحانه لم نره من قبل؟؟كيف يمكن للعين ان تبصر مالم تر من قبل فتسعد؟او ترهف السمع لما لم تسمع من قبل فتدركه ثم تسعد؟أندرك في الجنة بفطرتنا وقلوبنا؟لذا كان كل عملنا هنا ان نأتي الله بقلب سليم,يمكننا من ادراك مالم نعلم؟





***********************





أخبرني كيف يمكن ان تتوقف عن التسبيح,بعد ان تصل الى "واحة النخيل" ففي الشارقة تجد مساحة خضراء كبيرة,زرع فيها اكثر من خمسمئة نخلة, وضع على مدخلها الرئيسي لوحة رخامية كتب عليها:قال صلى الله عليه وسلم:من قال سبحان الله العظيم وبحمده غرس له بها نخلة في الجنة

واحة النخيل ابداع روحي تام,ترتيب النخيل فيها في غاية الدقة والتماثل ,صفوف واعمدة متقابلة ومتوازية باتقان راق,حالة التماثل والتشابه التام تدخل على الروح صفو وسكون لايوصف,وكأن هذه النخلات المتشابهة انما غرست فقط لتذكرك بتسبيحاتك ,كل نخلة هي مسلم يساوي غيره كاسنان المشط,لافضل لمسلم على غيره الا بانتظامه على صراط مستقيم يجمعنا جميعا"لافضل لعربي على اعجمي الا بالتقوى"كل مسلم هو نقطة في بحر الاسلام,يتحقق وجوده في جماعة المسلمين بدعوة لربه او امته ,واحة النخيل لوحة روحية نفذت على ارض شاسعة,يحققها حديث نبوي عن الذكر وصفو زوارها وتسبيحاتهم.......



أحببت الشارقة وسكنت لها,عمارة مساجدها تكسبك شموخا وخضوعا لا يوصف,أبهرني وميض دبي...لكن يقينا...نور الشارقة ازكى وابقى......شكرا صديقي يوسف......

14‏/01‏/2010

فئران*

استنفذ حسني كل طريقة لاخراج الفئران من بقالته,لم يكن يسمع باسم سم فعال الا ووضعه لها, زارت بقالته كل شركات مكافحة القوارض المحلية والعالمية, كان يستورد بضاعته الجديدة ليلا,فيودعها ثلاجاته باغلاق محكم,ياتي الصباح فلا يجد الا الفتات,كان على يقين ان المصائد لن تصطاد ابدا هذه الجحافل ,لكنه اراد ان يكمل اللعبة الى النهاية,وضع ستة منهم في قفص,وتركهم يموتون تدريجيا,الأدهى انه اخذ قفصه الى منزله واخذ يراقب موتها من بعيد.....


فئران القفص كانت متباينة في حجمها وقوتها,بعضها صغير ضعيف,وبعضها اقرب الى الارانب,لكن جميعها كانت تتحرك بحيوية في القفص ذهابا وايابا,انقضت الليلة الاولى فخمدت قواها جميعا,اصبح "حسني"يتلذذ بمراقبتها,ماحدث كان عجيبا...فالفأران الصغيران انزويا في جانب من القفص, بينما اخذ الفأران الكبيران الاقتراب منهما , لم يصدق حسني عيناه عندما رآها تنقض عليها كالسهم ,غامدة قارضيها في عنق الصغار, وفي اقل من لحظة انتهى كل شيء, واختفى كل مايتعلق بالفأرين الصغيرين, اصبحت تلك الكبيرة اكثر وحشية وضراوة ,تتحرك بجنون في ارجاء القفص, انتبه حسني لقوارضها التي بدات تضمحل شيئا فشيئا, لاحظ بروز انيابها التي اصبحت اكثر حدة,نام حسني ليلته قرير العين مطمئن البال,فهو قد ايقن ان معضلة بقالته في طريقها للزوال....

استيقظ حسني مبكرا راكضا الى قفصه ليجده خال تماما الا من الفأرين الكبيرين أصبحت حركتها جنون مطلق , التهمت في ليلتها الفارين الاخرين ,وضع لها كل ما يملك من جبن,كانت تقترب من جبنه فتشمه بأنفها, ثم تعود لحركتها الجنونية, تبسم حسني وانطلق بقفصه الى بقالته....

في البقالة فتح القفص...اخرج الفأرين ..ثم لاذ بالفرار بعد ان اغلق بقالته بعناية...مر يوم بأكمله,ثم اتجه حسني الى بقالته,ليجد الجرذين تضخما اضعاف ماكانا عليه, قهقه بصوت عال..ثم هوى عليهما بحجرين كبيرين...ثم باشر نشاطه في بقالته بسلام....

********************************
لماذا اصبح وطني قفص فئران كبير؟؟كم فأرا حاول ان يلتهمك اولا؟؟لم نعد نقنع بالكفاف,أدمنا رائحة الدم, يتجاوز عدد ما أرى من فئران في كل يوم العشرة,بداية من سائق الميكروباص لامين الشرطة لعميد كليتي حتى إلي وإلى زملائي....
هنا على انفسنا فهنا على الناس
اصبحنا فئران تنهش بعضها لينعم حسني في بقالته


*عنوان القصة وفكرتها لعزيز نيسين:كاتب تركي

08‏/01‏/2010

أرانب

كان اليوم الدراسي الأول لعامي الثالث الاعدادي, سألني مصطفى عيسى عن نتيجة العام الماضي, فأجبته بالتالي:.
-فرق ستة..
-هو ايه ده اللي فرق ستة....
-الحمدلله فرق ستة....وانت عملت ايه؟...
-تمام..

دخلنا الفصل بعد انتهاء الطابور وانا أفكر في هذا الجواب الاحمق..."فرق ستة"


*****************************
هكذا قرأت الخبر:.

العداء الامريكي فلاني الفلاني-معذرة سقط اسمه نسيانا- لم يستطع ان يحطم رقمه القياسي السابق, وذلك لخروج "الأرانب "مبكرا من السباق....


********************************

"رحمة الله عليك ايها الصديق الوقي ...يامن كان لشبحك ...لمجرد شبحك خلف النافذة, أكبر حافز على الجلد والمذاكرة , واذا ماكنت قد نلت ليسانس الحقوق , فان الفضل كان لظلك الماثل عن بعد رمزا للارادة والاصرار.....


******************************
أعتقد انك تحتاج مني لقليل من التوضيح....

-" ففرق ستة" هو فرق الدرجات بيني وبين غريمي يوسف ,كنا نتنافس على المركز الاول, تعجبت ان تكون نتيجة عامي الدراسي ملخصة في الفرق بيننا ,كنت اتتبع اخباره من بعيد, أحاول جاهدا ان اعرف درجات امتحاناته,رؤيتي لسيارة والدته تحت منزلهم ايام العطلات كان يضجرني,معنى هذا انه قضى عطلته ملازما لكتبه,أظل اقارن نزهتي بالتزامه,فيستحيل نومي,اتخيله ملتصقا بمكتبه مقاوما لاي تهاون او تكاسل, فيصيبني الارق,اقضي ليلتي متقلبا في فراشي, وكأني نائم على جمر,مع اول شعاع شمس,تجدني قد رتبت امري ,وبدأت اعوض نزهتي أضعاف أضعاف......

- اما "الارانب" فهم مجموعة من العدائين,بتم الاستعانة بهم ليسابقوا العداء المحترف,لا لينتصر احدهم او يهزم, وانما ليدخلوا العداء "جو التنافس",فيجد بالتافتته يمنة ويسرة من يسابقه,عجبت لفشله في تحطيم رقمه القياسي,بخروج الارانب مبكرا ,فهو يعلم ان الامر مجرد "تمثيل",وأنهم ليسوا اكثر من ارانب تدعي التنافس....ألهذا الحد نحتاج التنافس لنرقى حتى وان كان وهما؟.....

- حلمي بهجت هو صديق توفيق الحكيم,كتب عنه يقول:.
كنت ابصر شبحه من حجرتي وهو مكب على كتبه في حجرته تحت المصباح...وكنت كلما اعياني الجهد واضناني السهر,واصطدم راسي بالكتاب من الاغفاء المباغت وحدثتني نفسي بترك كل شيء والذهاب الى الفراش...لاعنا الليسانس ومتاعبه,لاح لي شبح حلمي بهجت صامدا كالصخر,مواصلا العمل والدرس بصلابة وعناد,فافيق لنفسي واعود لكتبي .......

*********************

التنافس من اخذ النفس...أينا نفسه اطول؟؟؟احتاج لخمسة ارانب,,او ارنبا واحدا في خمسة مجالات...ماذا عنك؟؟


"وفي ذلك فليتنافس المتنافسون".....