خمسة اعوام مضت ومازال يصلي في نفس المكان,الاستاذ عصام مازال يصلي كل جمعة في الصف الثاني الى اليسار خلف النافذة الثالثة,نور كان يعتقد ان خمسة اعوام ستترك اثرا واضحا يراه ويستشعره على حياة من حوله,ليفاجئ وكأنه غادر الى وطنه منذ اسبوع فقط , ما جد على أ.استاذ عصام هو طفل في الرابعة يتكأ على فخذه الايسر ويقلده في كل حركاته....
الاستاذ سيد ظلام مازال محافظا على مكانه ايضا,في منتصف الصف الاول خلف الامام مباشرة,نور قبل خمسة أعوام كان يتمنى ان يؤذن أ.سيد ظلام للجمعة...أذانه يزرع في النفس خبوتا وخشية لا تصفها الكلمات,صوته كان نبع روحاني لاينضب,ينهل نور منه بمجرد استرجاع صوته على مدى اسبوع كامل,نور مهما اتجه مبكرا وجده يسبقه وفي نفس مكانه المعتاد,خمسة اعوام ومازال أ.سيد ظلام يطيل دعاءه وأذكاره بعد الصلاة,حتى اذا ما تمكن من القبلة وقف وصلى,يتقدم قدر استطاعته لتستقر قدماه على بداية امتداد القبلة,نور الى الان مازال يستمتع بمشاهدة صلاة أ.سيد ظلام....
نور مازال يحافظ على "مسافة خاصة" لنفسه...يعلم وجودهم من حوله ,لكنه يصر على ان لاتلتقي الأعين,يسمح لنفسه ولهم بمجال خاص معه هو فقط......هو وحده جل شانه يسمع اقل همهمة...يعلم كل ما يختلج صدورهم...التقاء الاعين يعكر احيانا ذاك الصفو....
إمام المسجد بعد خمسة اعوام اصبح اكثر ثباتا وخبرة, قبل خمسة اعوام كان يتلعثم كثيرا,مازال يقرا من ورقة صغيرة يبعدها عنه بامتداد يده,مازال اعتقاد نور انه يعاني من طول نظر.....قبل خمسة اعوام كان يقفز سهوا عن بعض سطور خطبته غير مهتما بالمعنى...الآن اصبح اكثر تمكنا واصبحت تلاوته اكثر جمالا....
نور اكتشف بالامس ان والده توقف عن التدخين منذ عام مضى, كم كان يضجر من رائحة دخانه,لكنه مع ذلك لم يلحظ توقف والده عن التدخين....نور يعتقد ان الفجوة تتسع والاهتمام اصبح رمزيا متكلفا.....
الفارق الوحيد منذ خمسة اعوام ان نور فقد مكانه في الصف الاول الى اليمين من أ.سيد ظلام,لم يعد يتنافس على التبكير للجمعة...لم يعد يهتم بقراءة الكهف ونصف البقرة,منذ خمسة اعوام كان يشارك والدته سورة البقرة,لكل منهما نصف,اصبح الان يكتفي باي مكان يتاح له...خمسة اعوام تغيرت فيها كثير من ثوابته وقيمه...ويقينا ايمانه...
أيام تطوى بنفس الصور والمشاهد...لنفوس تتغير وثوابت تتبدل.....
٢٢/٠١/٢٠٠٩
٠٣/٠١/٢٠٠٩
حائط رابع
بناء خشبة المسرح يتكون من ثلاثة حوائط , تحمل من الديكور والألوان ما يجعل الحضور والممثل يعيشان الحدث والشخصية, الممثل الناجح هو القادر على تصور وجود "حائط رابع" يعزله عن همسات الحضور,حائط شفاف يسمح لهم بأن يسمعوا صوته ويتابعوا حركته, لكن يبقيه هو "في معزل" عن ردود أفعالهم, ليعيش الشخصية بكل انفعالاتها وسكناتها....
البعض يعتقد ان حياة البشر مسرحية كبرى, يعيش كل منا في شخصية خاصة به لها ملامحها وطباعها,بعضنا تسكنه الأحلام لشخصية يتمنى أن يعيشها, فيرسم اطارها ويحدد لونها,يتصور ردود افعالها وانفعالاتها,حتى اذا ما تملكته الشخصية تماما ,أخذ يقارن حاله بحالها, ينظر ما ينقصه ليتقمصها,فيضفي كثيرا على نفسه وذاته,يبدأ بتغيير بعض عاداته ومعاملاته, يضع أهدافا ويؤلف سيناريو خاص بشخصيته, لكنه فور أن يعامل البشر ويحتك بهم,يكتشف أنها ليست أكثر من أحلام تسكنه.....
جمهور عرضه من عائلة واصدقاء وحتى احداث تتغير عليه لن يسمحوا بميلاد شخصيته بهذه السهولة, نظرة مختلفة من صديق لتغير حاله....أو ردة فعل باندهاش وتعجب لما صاره تنسيه ما عاشه من احلام..... حدث جلل بحياته أو تغير سريع لما اعتاده قد تتطاير به أماله وطموحاته....بعض من سلبية الحضور قد تجد طريقا لنفسه.....شكوى مؤلمة من صديق او فضفضة ملحة من والدته قد تنثر رماد شخصيته في الهواء....مايسمعه من انجازاتهم واهدافهم تجعله يجذب لحياتهم وينسى مارسمه لذاته....احيانا يعايش تجربة سلبية قاسية لاحدهم يتقمص كل مافيها من احداث....فيلتهي عن "دوره" الجديد.... تتخبط اراؤه وتعجز كلماته ثم يعود لسابق عهده يجذبه كل شيء.... يشتته كل امر وبلا احلام...
كل ما يحتاجه هو "حائط رابع" شفاف...يحيط به من كل اتجاه... حائط يسمح له بان يسمعهم ويسمعوه...يدرك كل امورهم واحوالهم لكن دون ان يهتم بها او يعيشها معهم ....يعزل كيانه وذاته عنهم جميعا لكنه يخالطهم .....يعيش احلامهم معهم لكن دون ان ينجذب لحياتهم .... يرهف السمع لانات احبابه لكنه لا يعيشها ...يستمتع بانجازاتهم لكنها لاتشتته عن اهدافه..... تغير مفاجىء لاحداث حياته تعني ان يعيد ترتيب اوراقه.....قد يقدم فصلا من حياته على فصل اخر ...لكنه لا يمزق الاثنين...
حائط رابع يجعله تحت السمع والنظر...لكن بمعايشة وتقمص اكبر لاحلامه واهدافه..... بمعزل عن كل ما يشتته وبتواصل مع كل من يحب
٢٧/١٢/٢٠٠٨
فطام
اليوم سيفطم عن كل ما اعتاده منها...كان بمجرد ان يبكي تأتيه متلهفة مضطربة...فور ان تحمله وتضمه الى حضنها يخفت بكاؤه قليلا...لكنه لا ينقطع الا بعد ان يلامس جلده دفء صدرها...يأخذ نفسا عميقا ليملأ صدره من عبقها...كم يشعره اختلاط انفاسهما الدافئة بالأمان...فور ان يلتقم ثديها تسكن حركته قليلا...يهن بصوت خافت يرق له القلب...تدرك بفطرتها ان طفلها يتابع حركة مقلتيها...وكم يزعجه ان لا يلتقيها في نظرة...تبتسم له وتبدا بمشاغلته...يبتسم بدوره لكل حركة منها..احيانا تعقد جبينها فيقلدها بعفوية...احيانا اخرى تحرك لسانها او تنفخ خديها مستمتعة بكل بسمة تولد على شفتيه....بعد فترة بسيطة تخور كل قواه..تسكن كل حركاته..وتسقط حلمتها من فمه...يغط في نوم دافء...كلما اضطرب نومه...تجده يضم شفتاه وكانه مازال ملتقما ثديها...
اليوم سيفطم عن كل هذا..."هو لايعلم سببا لذلك"..كلما اقترب منها دفعته بشدة وحزم...ازدياد بكائه لم يعد يعني لها شيئا...عليه ان يقبل "ببدائل جديدة"..حضن دافء من بعيد...طعام جديد مختلف...نوم من دون رضاعة...يقولون يوم واحد فقط يكفي لفطم طفل...وهذا ما حدث بالفعل...بعد كل بكاء الامس استيقظ في اليوم التالي ناسيا كل ما اعتاده منها...ادرك فقدانه وواقعه الجديد وتعامل معه...تعلم مع الايام كيف يعبر عن جوعه او حاجته للنوم بكلمات لا ببكاء...ما ادهشني انه تقبل كل هذا بين يوم وليلة.."أدرك " ""تعلم" "تغير"تعايش" واصبح اقوى..
فطامه لن يتوقف يقينا عن الرضاعة فقط...الايام ستفطمه عن ما هو اعظم...كل قدر سيمر به وكل حدث جلل بحياته وكل تجربة يعيشها معهم ...ستثبت له ان الحياة ليست بهده الوداعة والسلاسة...سيفطم عن مشاركة من يحب....يفطم عن البوح بما يسكنه..يفطم عن اي احتياج لهم او الشعور بالامان معهم...يفطم عن براءة سكنته يوما....
فطامك يجعلك تدرك الامور بواقعية وقوة...يجعلك "متقبلا"لتغير الاحوال.."بدائل جديدة"وعوالم اخرى"ستتكشف لك ان فطمت عن الاعتياد والاستكانة...بالفطام تستقل عنهم في كل امرك...تصبح انت سيد نفسك...
فطامك ليس اكثر من اقدار كتبت لتلقاها....البعض يتقبلها بين يوم وليلة...والبعض الاخر يعيش العمر ساخطا من قسوة الايام والبشر...
"ولتصنع على عيني"
"واصطنعتك لنفسي"
فطامك صنع الله لك.....
١١/١٢/٢٠٠٨
تجل يقيني
ما من شيء يثبت على حاله....لو حدث ذلك لصار العدم....كل شيء في فراق دائم..المولود يفارق الرحم...الانسان يفارق من دنيا
الى اخرة مجهولة بلا آخر...البصر يفارق العين الى المرئى...ثم يفارق المرئى الى البصر...الليل يفارق النهار...والنهار يفارق الليل...والساعة تفارق الساعة...والدهر يفارق الدهر...الذرة في فراق دائم عن الذرة...الجسد يعانق الجسد ثم يفارقه...تنبت الاوراق غضة خضراء...ثم تفارق الاغصان...الفكرة لا تلحق بالفكرة...والصورة لا تمكث في الذهن...يجيء شتاء ويجييء صيف...ثم ربيع ثم خريف...كل يفارق الى حين...كل في فراق دائم...الذات تفارق الذات...حتى الاشياء التي ظننا انها باقية ابدا...حتى الايام التي اعتقدنا انها لن تتبدل قط...ولن تتغير ولن تزول...كل شيء...كل شيء في فراق...كل شيء يتغير...كل شيء يتغير...فلنفهم!!!
كتاب التجليات.جمال الغيطاني
٠٥/١٢/٢٠٠٨
الفرصة
كنا في الثالث الابتدائي...مضت اسابيع من التدريب على العرض الرياضي...كانت السنة الاولى لمشاركة مدرستنا في مسابقة طلابية...العرض كان يتضمن ثلاث فقرات...يجمعها فكرة واحدة,هي الربط بين الحركة والتخيل بالحواس...
الفقرة الاولى كانت اكثر ما يمتعنا جميعا...نقوم فيها بتقليد حركات الحيوانات بالغاب...اغاني صفاء ابو السعود كانت خلفية لبعض الاجزاء من الفقرة كتقليدنا للعصفور والحصان...بينما الف وغنى الاستاذ "حسن" مدرس الالعاب بقية الاغاني بصوته كخلفيات لبقية الحيوانات....
اكثر ما امتعنا الجزءالمخصص للحصان والعصفور...كنا نتنافس فيما بيننا اينا يستطيع ان يكون الافضل...افضل جواد هو الاكثر سرعة واقداما وخفة...كل ماعلينا ان نقبض أكفنا وكأننا نمسك بلجام ثم نركض ...خطوتين على الارض والثالثة نقفزها في الهواء...العصافير كانت اجمل ما يرهف حسنا وحركتنا...بعد كل اقدام الحصان وجموحه ننقلب لرقة ووداعة ينفطر لها الحجر...
الفقرة الثانية كانت باستخدام الكرة...كل" صافرة" من المدرس تعني ان نؤدي حركة جديدة تختلف عن سابقتها..المهم ان لا تتوقف الكرة عن "التنطيط" وان لا تشرد منك اثناء تنقلك من حركة لاخرى....بعضنا نسي ترتيب الحركات يوم المسابقة... لكن الحضور لم يلحظ شيئا ...اعتقدوا ان العرض تضمن هذا الاختلاف.....
الفقرة الثالثة كانت ممتعة لنا ايضا...صوت عبد المنعم مدبولي كان خلفية لها ... كنا اكثر من مئة وخمسين طفلا نشكل قطارا واحدا...يجوب الصالة المغطاة في كل اركانها وجوانبها...اثناء تدريبنا لم يحدد المدرس طالبا معينا للقيادة...حتى اذا ما اقتربت المسابقة وجدناه يسال:
-مين يعرف يمشي القطر ده...بس ما يقطعهوش ولا يكلكعه
....كنت اتمنى قيادة القطار...فكرت للحظة...كيف ساقوده؟؟وكيف ساصنع تموجات تعجب الحضور؟؟ لكن صوتا صاح في اقل من لحظة, اضاع كل احلامي:
-انااااااا
كان صديقي يوسف هو من "بادر" بقول"انا"....اقتنص الفرصة لحظة ولادتها...فكانت له القيادة.....كان علينا ان نصيح مع مدبولي"توت توت توت" كلما رددها...في اول دقيقة كانت تهتز القاعة لصيحاتنا...لكن بطول الحركة والركض اختفت اصواتنا واكتفينا بالركض فقط دون صياح...حققت مدرستي المركز الثاني ....المركز الاول كان لمدرسة طالبات لعرض باليه..."لا مجال للمقارنة بين حيوانات الغاب وبين رقتهن وجمالهن"....
كلما شاهدت شريط العرض الى الان اسمع صدى "انا" من يوسف...
"الفرصة " تحتاج من يقتنصها بمبادرة ومجازفة وثقة...البعض تتضاعف مكاسبه لانه يستغل فرصه....قد يصل مكسبه لحياة ابدية في نعيم دائم كما فعل عكاشة "سبقك بها عكاشة"... سأله الجنة فكانت له...والبعض الاخر "يحتاج ليفكر".....
لك ان تسمع"الفرصة"بصوت منير...ستثريك يقينا...
كل عام وانتم بخير جميعا
٢٩/١١/٢٠٠٨
الأمراء
فور ان استلم مصروفي من خالي اتجه ركضا الى بقالة الأٌمراء...احاول ان تتباطأ خطواتي شيئا فشيئا قبل الوصول الى مدخلها... حتى اذا ما لامست قدماي عتبة البقالة اقف لبرهة...التقط فيها انفاسي بعمق واسبق بعيني الى الداخل ...ادخل البقالة في خوف ورغبة في التخفي عن كل شيء... كنت ابحث "عنها "في كل ركن وزاوية...احيانا كنت اعتقد انها تختبىء مني في مكان ما...كانت البقالة مكشوفة..ليست اكثر من مستطيل يِِِِرى جميع جوانبه وحوائطه....لكن بابا خلفيا يفتح على غرفة"خزين" صغيرة هو ما اثار شكوكي....
كم كنت اقف امام هذا الباب منتظرا ان تخرج من خلفه..قد يطول وقوفي امامه..لايفيقني سوى صوت البقال قائلا:
-عايز حاجة يابني....
اناوله النصف جنيه..وآخذ اول ما تلامسه يداي دون ان اختار...لا ادري كم طال وقوفي امام البقالة...ما اذكره انني احيانا كنت اخذ مصروفي من جدتي وخالي في اليوم الواحد اكثر من مرة...لا طمعا في الشراء...لكن سببا لدخول البقالة والبحث عنها...اذكر انني لم اترك وقتا من نهار او ليل الا وقمت "بكبسة"على البقالة تلهفا لرؤيتها...الى ان ادركت ما غاب عني...
كان الوقت ظهرا...حان موعد الغداء...استاخرني خالي وجدتي...وكالعادة ودون ان يعلم احد...كنت امام البقالة اراقب من الرصيف الاخر...مركزا كل نظري على باب غرفة "الخزين" لعلي ارى ظلها او طيفها...فاجاني صوت خالي يناديني...التفت اليه...كان مشدوها لوقفتي...
-واقف هنا ليه في الحر ده؟؟؟
-مستني ماما تطلع...
-ماما ايه اللي هيطلعها من هنا...
-مش قولتوا ماما سافرت "الإمراء"....انا واقف مستني اشوفها....
-يابني ماما سافرت "الإمارات" دي بلد تانية...ده "الأٌمراء".دي بقالة اسمها" الأٌمراء" مش" الإمارات".
لم ادرك ايا ماقاله خالي...كل ما اذكره اني سالته بحزم وضيق:.
-يعني ماما مش هنا..
-لا مش هنا...
لماذا استقرت هذه الصورة بداخلي....كلما اخذني الحنين لوالدتي اجدها تطفو من قاع الذكريات...اجدني اراقب ذلك الطفل من بعيد مشفقا عليه احيانا...ومبتسما له تارة اخرى....
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)