17‏/03‏/2010

فراق أول

أذكر أنني كنت اقنعك بمقدرتي على الصمت التام ,حتى انني قد لا اتنفس مطلقا داخل حقيبتك, اما عن ظلمتها بعد ان تغلق علي, فلن تكون اشد ظلمة من غرفة نومنا ليلا, كما ان بطنك الصغير هذا, قد استوعبني تسعة اشهر في ظلمة صوت وضوء... لا اعلم متى او كيف سكنته, لكنك تخبريني بذلك عند كل استحمام استحيي فيه منك, تتعجبين من طفل يستحيي من والدته وهو كان ساكنها, فتشيرين بكلتا يديك الى بطنك حيث يفترض انني كنت, فأظل مشدوها ناظرا اليك في تعجب تام, أذكر انه كلما اقترب سفرك ازداد إلحاحي بأن تضعيني في حقيبتك في صمت وظلمة تامة, دون تنفس او بكاء مني, ملتفا حول ذاتي في اصغر مساحة ممكنة من حقيبتك الضخمة, لكنك ابدا لم توافقي ولم تقتنعي........ كان كل رجاؤك ان ادعو لك ,فالاطفال أحباب الله كما كنت تقولين ,ربما لما فيهم من براءة وسذاجة ,فانا كنت اردد ما حفظتني إياه غير واع بانني انما ادعو على نفسي بسفرك.....

سافرتي واخذني والدي الى جدتي, لم افهم حينها لماذا افارقك ثم افارق اخوتي ووالدي ؟اخبرني والدي انني عند جدتي سيكون بامكاني اللعب اكثر مع ابناء خالاتي, لكنني لاذكر انني طلبت منه ان العب مع احد مطلقا, مازلت اذكر وقفتي امام بقالة الامراء , اذكر تناولي وجبة الغداء مع خالي وجدتي فقط بعد ان يرحل أبناء خالاتي جميعا لأسرهم أذكر اصرار زوج خالتي على اعطئي المصروف, تماما كما يفعل مع ابنائه طال لعبي معهم لاشهر لم ارى فيها طيفك مطلقا او حتى حادثت اخوتي ووالدي....

ربما اصبحت من حينها اوقن بالفراق , يا امي قد علمتني ان الحياة لا تتوقف على احد, وان الايام تدور علينا جميعا, حتى ان حقائبنا لاتتسع ابدا لكل احبابنا, اجد نني من حينها لا اسكن لأحد ابدا, أأنس بهم جميعا لكنني لا اسكن ابدا, لا أكترث لاي صداقة او مودة ,لا احتفظ بأية ذكريات ,انا فقط أعيش لحظتي بتواصل مع" اشيائي" وذلك يسعدني كثيرا, الذكريات تكبلني بما فيها من مشاعر وعواطف أرتبط اكثر بالاشياء , فكل الاشياء لا تمتلك حقائب, فلعبتي المفضلة مازالت معي, ومدرستي كما هي بفصولها وساحتها وملاعبها ,غادرناها جميعا مدرسين وطلبة وظلت هي, حتى ان خزانة ملابسك امي ,حيث كنت تضعين منها في حقيبتك , مازالت كما هي.... فالاشياء كل الاشياء لا ترحل...اما نحن, فجميعنا نملك حقائب.....

غير انك حقيبتي يا امي....حتى وان لفظتني حقيبتك يوما فانتي همي وغربتي,لكنني اخشى ان لاتكوني سكني,فأنا ابدا لم اخبرك ما يحزنني, كما أنني لم أشاركك يوما انكساري و فشلي, لا اذكر انني ارتميت في حضنك باكيا او شاكيا , ربما مازلت اخشى ضيق حقيبتك, فانا اخبرك فقط ما يسعدك عني, واسمع كل ما يحزنك منهم او عنهم, أشاطرك همومك وأهتم بأبسط تفاصيلك أمي, لكني لا اسمح لنفسي ولا لك أبدا ان تعامليني بالمثل, فأنا أأنس بكم جميعا لكن لا أسكن لأحد أبدا...


قد كان فراق اول وحتما أخير......