٢٢‏/١١‏/٢٠٠٨

مقلديات:معايشة

" في تمام الثالثة فجرا ظلام دامس يحيط به .... يتلمس جسده ليتاكد انه مازال موجودا نابضا بالحياة... ظلام يلتهم كل شيء... انين الصمت يكاد ينسف عقله... تعلم من الليالي الماضية كيف يتحرك من غرفته باقل الخسائر الممكنة....يوميا وقبل ان ينام يرسم خريطة لتحركاته بالمنزل متجنبا كل ما يمكن ان يكسر تحت السواد...كل ما عليه فعله ان ينتظر الشروق.
قيظ اغسطس يوقظه بلا ماء او كهرباء يفكر قليلا ماذا لو نسفوا منزلهم هذه المرة؟......يبتسم قليلا...فهو يدرك ان الامر كله لم يكن اكثر من" معايشة"تطمئنه والدته انها احتفظت بكمية لا باس بها من المياه يمكنه ان يستخدمها ليتوضا ان اراد الصلاة يتجه الى مصدر صوتها وقبل ان يصلها يرتطم بجسم دافىء مندى كزهرة بيلسان من الجليل:
-سامحك الله ...اصبت وجهي يا ولدي
-لم ارك والدتي..اعتقدت انك ابعد....اللعنة على الظلام...اين شموع الامس؟؟؟
يجيبه والده انها نفدت ونسي ان يشتري غيرها...
يتجهان الى الحوض يضم كفاه معا... منتظرا الماء...يسمع خريره....يعلم انه اخطا مصب والدته...يحرك يداه دائريا بحثا عن اي قطرة ...يتوضا ويعود لغرفته يتحسس سجادة الصلاة بعد ان كان وضعها نهارا باتجاه القبلة متحسبا لليل... يجثو بركبتيه.... عليه الان ان يتاكد انه داخل اطارها تماما وفي اتجاه القبلة....يتحسس جسده ويتصور مكانه داخلها... بعد ان يتاكد من استقباله القبلة يقف ليصلي داعيا لهم....
كم يشعر بالضعف حيالهم... هو لم يعد يطيق صبرا... وهم يعيشون حاله شهورا.....هو يلزم عقله ان "يتخيل""يعايش" وهم يزفون للموت ارواحهم كل ليلة... "
تكرر الاسبوع الماضي حصار غزة لمرة اخرى...استدعى ذلك بداخلي ما كنت عرفته من ابراهيم مقلد* عن احد الاباء بمدينتي..كان ما وصفته ليلة من ليالي احد ابنائه....الوالد اراد ان يربي ابناءه على ما يعايشه اهل غزة...هو يفصل الكهرباء والماء عن شقته كل ليلة بموافقة ابنائه ليعايشوا اخوانهم خلف حدود رفح.... يستمر فصل الماء والكهرباء حتى طلوع الشمس ....
هو الان لم يعد يطلب منهم ان يقاطعوا او يتبرعوا او حتى ان يحملوا همهم ....اصبح اولاده يقومون بذلك تلقائيا بعد ليلة معايشة واحدة...اعتقد ان فكرته وتربيته ابداع حقا....
عندما رست سفينة كسر الحصار القبرصية شعرت بالعجز حقا...السفينة لم تكن من طرابلس صيدا اللاذقية او حتىالاسكندرية ...كانت من قبرص.....
مابين معايشة وكسر حصار يتحرك من حولي من كل عرق ولون ودين ....ومازلت اقف اتابع باهتمام واسى فقط...
ماذا عساي ان افعل؟
-----------------------------------------
*ابراهيم مقلد شيخ بمدينتي اسلامه لا يقف عند حدود العبادة او ينتهي بعد عتبة مسجده..اسلامه يمتد لكل حركة وهمسة...اسلامه منهج حضارة لا علاقة روحانية خاصة فقط.."مقلديات : معايشة" هكذا كان عنوان تدوينتي...من كثرة ما اعتمل في من حديثه...

١٥‏/١١‏/٢٠٠٨

بدايات

سبعة عشر عاما مضت من عمر شوبنهاور دون ان يكتب فيها كلمة....ألم به شيء من ياس وركود جف فيهما قلمه...بعد ان ظل اربعون عاما يكتب ويؤلف توقف فجأة بعد ان تملكه اليأس من أن ينال ما يستحق من تقدير...سبعة عشر عاما لم يكن يفعل خلالها شيئا سوى القراءة وتناول وجبات الطعام بالمطعم والتحديق صامتا بالساعات في تمثال بوذا على مكتبه.....

أيام طه حسين في الازهر كانت رتيبة ثقيلة الوطأة على نفسه....حتى انه عد اربعة اعوام قضاها باربعين سنة...كم* ضاق بهذا السأم الذي ملأ عليه حياته كلها واخذ عليه نفسه من جميع جوانبها...حياة مطردة متشابهةلا يجد فيها جديد...كان يفكر في ان امامه ثمانية اعوام اخرى سيعدها ثمانون عاما..وان عليه ان يختلف الى هذه الدروس كما تعود وان يسمع ذلك الكلام الذي لا يسيغه ولا يجد فيه غناء..

بين ركود شوبنهاور وسأم طه حسين من دراسته وحياته الرتيبة بالازهر وقفت لفترة..كانت ايامي ثقيلة..ليل طال زمنه وشمس غابت دون ان تعود...ايام خسرت فيها بعض ما اكتسبته... لكني أعلم يقينا ان باستطاعتي ان ابدا من جديد... مازال بداخي وميض قادر على بعثي..كل لحظة جديدة بحياتي تولد بقدر خاص بي...لماذا لا اقتنصها؟ أؤمن انني اذا مددت يدي للسماء دنت لي النجوم...الهي ينتظرني كل يوم وليلة باسطا يداه لي...لماذا لا اتلمس صراطه كما يريد مني ...

شوبنهاور استعاد حيويته فجاة ونشر مقالا فلسفيا ثم اصدر الجزء الثاني من مجلده"العالم ارادة وفكر" فاذا بالاوساط العلمية تلتفت اليه وتضع على راسه اكاليل المجد...واذا بالشهرة تفاجئه وهو يقترب من سن السبعين...لكنه بدا من جديد حتى ولو بعد السبعين,وطه حسين ادرك عوالم لم يعرفها...وعلوم لم يسمعها بعد التحاقه بالجامعة...بداية جديدة وطريق جديد فيما يحب جعل حياته اكثر ابداعا وشغفا لما يتعلم ويدرس...بداية نقشت اسمه على صفحة الزمان....

ماذا عني؟؟ ان بدات من جديد ماذا يتنظرني؟
أشتاق لأعرف...
-----------------------------------------------------------------------


*بداية من "كم"الى نهاية الفقرة من كتاب الايام

٠١‏/١١‏/٢٠٠٨

عشرة قروش....


نظر اليهم , دقق قليلا في ملامحهم, كانه يراهم لاول مرة,اتجه نحوها:
-اعتقد ان هذه اكثرهم جمالا.
-قد نجني من جمالها تبرعات اكثر.
-اذا اعتمدها ليتم تصويرها غدا من قبل حملة الدعاية للملجأ.
انطلقت تركض في ارجاء الملجأ تعلن لصديقاتها انه سيتم تصويرها, غبطها البعض , بينما حاول الاخرون ان يودعوها:
-غدا يصورونكي وتتركي هذه المقابر
-قالوا انها للتبرعات فقط.
-قد ينشروا صورك ويطلب احدهم تبنيك ...
سافرت بخيالها الى عالم لم تره من قبل ...كان جل حلمها ان تترك الملجأ لم يجل بعقلها الصغير مع من ستعيش ....كيف ستعامل...اسيحبوها؟؟ يودوها؟؟؟ ام مجرد عطف وشفقة؟؟؟؟ كل ما وصلت اليه انه مكان اخر.........مكان اخر خارج هذه الاسوار.

في المساء طارت كفراشة من عنبر لاخر,حاولت جاهدة ان تمضي السويعات قبل التصوير بأمان,كيف ستقف امام الكاميرا .... وكيف سيداعب الفلاش عيناها.....أسيؤذيها بوميضه....أم تلمع به دانتيها الزرقاوتين.....أسيطلب منها المصور ان تبتسم .....تبكي ....تتصنم في مكانها ...ام سيطلب منها ان تدمع عيناها؟؟؟؟ اين ستصور؟ بين سرائر عنبرها ام بين زهور حديقتها؟ماذا لو اخذت دميتها وصوروها بها.....تتذكر انها اصبحت دمية بلا أطراف ..تزعجها الفكرة....

اسدل الليل ثوبه المخملي على السماء....ساعة ويدق جرس النوم ........تعود وترسم صورتها فوق سريرها ...لكن اين ستخفي غطاء سريرها الذي لم يتبق منها سوى اطاره الخارجي....كيف ستصور على سرير عار؟ماذا لو اخفته؟يبدا القلق يعصف بعقلها ...
ماذا قد ترتدي؟؟اترتدي بنطالها المرقع المهتك على قميصها وحيد الكم......ام ترتدي فستانها المسدل امامها لامتار كجلباب عم حسين حارس الدار....كيف سيصور كفاها الصغيرتان ان ارتدته....؟ أسيرتعد من ذلك الشبح الصغير؟؟تتخيل صورها ....تبتسم قليلا..... ثم تمضي في الملجأ....
تتذكر صديقتها اسماء...ماذا لو منحتها اسماء غطاء سريرها لليلة واحدة فقط...حتى اذا ما صورها ردته لها,لكن المشرفين قد أطفأوا الانوار...واسماء في العنبر الموازي لها....

-أسماء...اسماء
نعم, سملى....
-غدا سيصوروني ويتبناني احدهم......
-حقا؟؟
-نعم...قال المدير انني اكثرهن جمالا....
-سلمى...لاتنسيني بهد ان تخرجي...تعالي انتي وتبنيني...
-لن انساك....ساتبناك في اليوم التالي لخروجي,كم احلم ان نخرج سويا خلف هذه الاسوار...اسماء...هل لي بغطاء سريرك؟؟؟؟
-لماذا؟؟؟
-قد يصورني على سريري,واود ان اتصور مع غطائك....ساخذه لليلة فقط
-حاضر ...لكن احضري الكرسي الخشبي من عنبرك وقفي عليه...وساناولك اياه من النافذة العلوية....بين عنبرنا....
-حاضر

ركضت الى الكرسي الخشبي...حملته بكل قوتها...وانى لها ان تحمله وهي بنت الثمانية اعوام....لكنها كلما تذكرت فلاش الكاميرا تزداد قوة, ألصقته بالجدار ووقفت عليه,حاولت ان تصل الى النافذة لكن لم تستطع....فكرت قليلا.....لماذا لاتقف على ظهر الكرسي برجل واحدة...تثبت رجليها...تصعد برجل واحدة أولا لتجربه...اهتز بعض الشيء....لكنها تشاهد غطاء سلمى امامها....تحاول ثانية...تندفع اكثر....رجل على ظهر الكرسي...والاخرى تدفعها....ارتدت بعد ان لمسة غطاء سلمى....
انتظرت لبرهة....استجمعت كل قواها واحلامها....ثم همت ان تقفز....كانت قفزتها اكبر من كرسيها الصغير...تماما كما احلامها....تسقط على جبهتها الصغيرة...مخلفة كدمة اكلت وجهها وشيء من عينيها.....
هرولت باكية للمربية ,ضمتها بدفء لحضنها بشدة واخذت تبرد كدمتها :
-وصورتي غدا
-لا تقلقي عشرة قروش فقط تربطيها على كدماتك وتختفي
-الديك عشرة قروش؟؟
حاولت مربيتها جاهدة ان تجد لها العشرة قروش لكن دون فائدة:
-ابحثي مع احدهم قد تجدي

طافت العنابر تسال صديقاتها العشرة قروش لكن انى لهم وهم لم يجاوزا اسوار الملجأ.قضت الليل بكاء على سريرها وكم تمنت ان يطول الزمن ولا تاتي ساعة التصوير .
ياتي الصباح تنهض من سريرها وتقف على باب الملجا ...اخذت تسال الداخلين من مربيين ومشرفين واداريين العشرة قروش:
-عشرة قروش...عشرة قروش...
لكن احدا لم يلحظ وجودها....لاحركة ولا صوتا ولا حتى ظلا.....دخل الملجا رجل لم تره من قبل ركضت اليه ووقفت امامه:
-عشرة قروش....اريد عشرة قروش....
نظر اليها حاول تجاوزها واختفى بين الحجرات....
لحظات وتاتيها المربية الى البوابة...ادخلتها حجرة المدير,ووجدت ذلك الرجل,همت ان تساله العشرة قروش,لكنها ارتعدت من نظراتهم اليها:
-هذه؟؟؟
-نعم
انحنى الرجل الى اذنه وهمس بصوت خافت ...
-هذه من ساصورها للدعاية؟؟؟؟
-نعم
-دعاية لملجا ام لدار احدات؟؟؟
نظرت اليهم ولم تعلم من هو بعد...ادار ظهره وترك الحجرة.....لحقته الى البوابة....وصاحت:
-اريد عشرة قروش.....عشرة قروش فقط....
ادار لها وجهه ورمى لها العشرة قروش.....اخذتها وركضت الى المربية:
-هكذا يبقى ان ياتي المصور وارحل خلف هذه الاسوار......
ساترك القصة لمدة اسبوعين...دمتم بخير

١٨‏/١٠‏/٢٠٠٨

ركود

وقف على حافة البحيرة....تأمل صفوها وسكونها...نسمة رقيقة داعبت سطحها خلقت امواجا مضطربة على استحياء...على حافتها وبين صخورها لا حظ اخضرارا داكنا....اقترب منه وانحنى له ثم لامسه بانامله....ليجده خضار هلامي لزج لا يجدي نفعا....في عمقها يكمن اصل الحياة ...لكنها لا تسمح له بمغادرتها...


تامل رحلة قطرة مطر من سحاب معلق بشموخ وعظمة لسطح البحيرة....ارتطام القطرة بسطحها يدق جرس وصولها...ارتطام قاس مدمر تضيع به ملامحها...سطحها يعكس غليانا لاستقبالها ضيفا جديدا ...كان ظلا يوما او حياة لغيره...الان اصبح مصير قطرة المطر مشابه لاخواتها....عليها ان تشاركهم لحن الصمت والسكون ...او ان تكون جزءا من طحالبها..


امسك بصخرة صغيرة وقذفها بكل قوته...لتستقر في منتصفها...تامل ما اثارته صخرة صغيرة من دوامات وارتجاج...تعجب كيف عادت لصمتها بعد هول صدمتها...تساءل كم ابتلعت من صخور؟؟ كم يسكن قاعها من صخور الاخرين؟؟؟ تعجب كيف يسكنها ويحيط بها الموت مع ما تحمله من حياة؟؟

تذكر كم كان يكره هدير الماء على ضفة نهره....ادرك ان النهر كان حياة لغيره....يحمل كل قطرة ماء من نبع او مطر ليبعث بها اخر....لا تستقر قطرة فيه على حالها...يغير مجراه ويتجدد كل لحظة...منحه يستوعب كل حاجة...يصل بعطائه لهم جميعا....لا تقهر الرياح مجراه او تغيره...كل قطرة يحملها نبض حياة لاخر....لاشيء فيه الى العدم...صخورهم يقهرها بحركته وعنفوانه....يكلل مجراه كل لون وعبق يبهج نفوسهم...عطاؤه يمنحه جمالا وبهاء....مجرى النهر واستيعابه لهم يحييه ويحييهم.....

كم عايش منهم انهارا وبحيرات....مضى ومازال يسأل...الى ايهما ينتمي؟؟

عساه يكون نهرا.......
*******************************
********************
**********
تحديث:
وصف نور للبحيرة او للنهر ليس ماديا فقط....
انما قصد به ان يعمم الصورة على من عايشهم من اشخاص بحيرات كانوا او انهار......
البحيرة تعكس شخصا منغلقا انانيا لاتتجاوز افكاره حدود نفسه ....عطاؤه مقتصر على نفسه ....مع ما يحمله من روح باستطاعتها وهب الحياة لاخر بمجرد العطاء
انغلاقه سبب في احياء بعض الامراض"الطحالب" بداخله....يسقيها من نفسه ومن روحه مع كونها عديمة الفائدة سوى كونها طحالب"امراض"
هو ايضا يرفض اي خير من اي روح"قطرة مطر"اخرى
يهضمها بداخله ويصيرها جنديا في مملكة نفسه فقط"قطرة المطر بعد وصولها للبحيرة وارتطامها" "تضيع بها ملامحها"
يرفض اي عطاء من اخر اعتقادا انه لا يحتاجه....لايسمح له بمغادرة حدود نفسه لاخر يحتاجه.....
"ضخور الاخرين"تعكس تعاملاته مع غيره....قد يتضرر كثيرا منهم....لكن كونه لا يستطيع ان يتجاوز حدود نفسه
فهو يمرر كل اذية وكل خطا منهم تحت ستار من الصمت .....لكن بنفس تحمل كل الكراهية والاحقاد"كم يسكن قاعها من ضخور الاخرين"
النهر على النقيض تماما....
النهر يعكس شخضا معطاء يتجاوز نفسه لهم
عطاؤه يحييه ويزده جمالا وبهاء...
يتقبل عطاء غيره له ويوصله لاخر ايضا يحتاجه
"صخور الاخرين"لاتعني له شيئا
شخص يتجدد كل لحظة بتجاوزه لحدود نفسه....
اتمنى ان تقرا تدوينتي مرة اخرى بعد ما وضحت لك....نور اعتقد ان المعنى واضح في جملة"كم عايش منهم انهارا وبحيرات...عساه يكون نهرا"
اعتذر عن الرمز..لكن احببت فقط ان يكون التعبير كما رايت.....شاركني اي معنى اخر وصلك....
لك ان تقرا تدوينتي بالصورتين...حسية كانت او رمزية.....
تحياتي

أنفاسهم

عندما علمت والدتي بمرض جدتي لم تتمالك نفسها.....اتصالات واسئلة بلهفة وشوق عن حالتها...احيانا كثيرة كانت لا تتمالك دموعها....تجهش بالبكاء بعد صبر طويل ومحاولات مضنية لتخفي أي خوف أو حزن عني....نادرا ما أدمعت مقلتيها أمامي....هي تحتويني بقوة وشموخ....

حقيقة تعجبت لقلقها وخوفها....في اجازات والدتي الصيفية بمصر قد لا تزور جدتي اكثر من مرتين فقط....مرة فور وصولها واخرى عند سفرها.....كلما تصورت حياتها بدون جدتي لا أجد اختلافا كبيرا....ستفتقد والدتي زيارتين فقط..... قد لا تستحق زيارتين كل هذا الاحتراق والخوف.....الان تخشى والدتي زنين هاتفها....كلما اتصلت بها لاي سبب يكون صوتها في البداية مضطربا يسكنه الفزع.....رنين هاتفها يسلبها روحها في كل مرة.....

في عامي الجامعي الاول بمصر...وبعد سفر والدتي للعمل....كنت افتقد الكثير.....أحيانا كثيرة لم استطع ان احدد ما أفتقده....كل صباح يتملكني شعور بالخواء النفسي رهيب....أحاول ان اقضي عليه بأي أفكار ايجابية....او ان اتجاهله باي عمل يسعدني....كنت افتقد شعورا بالامان والاستقرار لا ادرك سببه.....كل ما ادركته أنه علي ان اغادر منزلي بسرعة...بعد خطوتين فقط من عتبة منزلي....اجد انني اصبحت اكثر استقرارا وامنا....الان اصبحت اغادر منزلي صباحا بعشرة دقائق فقط

أيامي مع والدتي كانت تبدا بحضن دافىء....وبقبلتين على وجنتي....كنت اضمن استقرارا وامنا لا ينضب طوال يوم مدرسي...."صباح الخير"كلمتين اعتدت سماعهما من والدتي كل صباح...لم انتظرهما يوما....وربما لم اشعر بهما حينها....لكني لم اعتقد اني قد افقتدهما هكذا...أو انهما تاصلا في نفسي بهذا العمق......

عندما حاولت ان اذكر والدتي بسنة الله في كونه وانها في النهاية اقدار نلاقيها......جاءني جوابها يلخص كل شيء...."يابني محتاجة وجودها".....الان ادركت الكثير......

بعض من نعرف لا نحتاجهم لينجزوا لنا شيئا بالحياة او ليحملوا بعض مسؤولياتنا ؟؟؟؟؟لا نحتاجهم لاننا ضعفاء او لانهم سبب في قوتنا....لا يربطنا بهم زيارتين كل صيف او كلمتين كل صباح...وجودهم ومعرفتنا بوجودهم يجعل عالمنا اكثر امانا ودفئا..... بعض البشر يكون كل عطاؤهم بوجودهم....مجرد وجودهم بحياتنا يعطينا الكثير...تستوحش الحياة بغيابهم....عرشهم بنفوسنا يمد اوصالنا راحة وامنا...انفساهم سبب لحياتهم وعبقها قرة عين لنا....

أحتاج أنفاسهم فقط......






٢٠‏/٠٩‏/٢٠٠٨

دعوة افطار


هم لا يعرفون من نور سوى صوته...مع ذلك يصرون على دعوته للافطار......صديقه مازال يلح عليه ليلبي دعوتهم......مشاعر الخوف والقلق كانت مسيطرة على كيانه لفترة....يخشى كثيرا ان يكشف وهج نورهم ما نبت يوما في الظلام.....كيف يتجه وحيدا لقرية لا يعرفها ليخالط من لا يعرفوه....آمن مسبقا انه لاشيء يدوم....كل العلاقات مصيرها العدم.....لماذا يتكلف عناء البداية لما ينتهي.......ان كان صديقه-مدخله لهم-قد فارقه لسفر....فكيف يصل هو أهله...كيف يحادثهم بشموخ وثقة وهو يعلم بدايته معه......

في طريقه اليهم كان مطمئنا راضيا بكل ما وصل له......سعيد انه استطاع ان يقهر ظلمه لمحبة ورحمة.....ايامه معه كانت ترافقه دربه وخطواته....شعور بالوحدة والوصل تملكه....يستشعر وصله وان تباعدت المسافات....يجده قبل ان يحتاجه....يراه وينفذ اليه وان احجبت الرؤى....لكنه يتحرك وسط كل هذا وحيدا بجسده بينهم....كلما دنا من قريته ازداد يقينا هدوءا وأمان.....

فور مصافحته لوالدة صديقه ادرك صلة من عمر الزمان......معلقة به وتجذبه لها.....ايقن ان بعض علاقاته تنمو فيه دون ان يدركها....هم سكنوه مع اول انفاسه دون علمه وبرضاه......حديث نور مع والدته لم يكن لينتهي عند نقطة.....شوق وحنين وسؤال عن الاحوال بلهفة....رغبة ملحة منها لتقر عينها بسعادة نور ورضاه......

صلاة نور للعصر في غرفة صديقه كانت شيئا اخر...ربما لم يصلي بعمره صلاة بهكذا تركيز واستحضار....يستشعر لاول مرة استماع الله لكلماته...يستحضر رؤية الله له وهو يصلي بغرفته....يفكر مليا في معنى ذلك......ومضات من ماضيه كانت تضيء نفسه كل لحظة....كلما تذكر صديقه ازداد خبوتا...كيف صيرت الايام خوفه وقلقله لمحبة وثقة لا يدركها الى الان.......ظلام غرفته ذكره بظلمات عاشها من قبل....ايقن ان ظلم الماضي بظلامه اصبح نورا يضيء في قلوب شتى.....

افطار نور معهم لاتصفه الكلمات.....كل ما يحيطه يقطر محبة .....كان كل همه في صلاة التراويح ان يتفرس كل وجه وكل همهمة...لايعلم عن ماذا كان يبحث.....ربما فضول ليتعرف على بيئة صديقه...او رغبة ملحة في اكتشاف من آذاه يوما وكان سببا في لقائه به.......أدرك حينها كم كان قاسيا عليه.....دائما ما كان يتهمه بالسذاجة...الطيبة.....احيانا اخرى يلومه لسوء تعبيره او قلة لباقته.....الان فقط ادرك ان صديقه مع كل ما عاشه قد فاقه ثباتا ولباقة وخبرة.....

دعوة للمبيت من والدته ادخلت في قلبه شعور بالامان والمحبة لا يوصف......ايقن الان انه يمتلك منزلا اخر....وبيتا اخر ....لقلب اخر ينتظره..... الان ادرك معنى تبسمه له في رؤى كثيرة له ...في درب عودته لم يؤمن نور انها كانت دعوة افطار فقط......ما بذره يوما كان للحياة...لم يكن للعدم....الخير لا يفنى ولا يعدم....هي لم تكن دعوة بقدر ما كانت بشرى قبول ورضا ....صوت منير اثر ان يرافقه درب عودته...شيء ما جعل كلماته لا تكف عن التكرار بداخله.....

بنتولد...طاهرين
بنتولد...شبعانين
بنتولد...متلهفين على صدر ا م وكتف اب مرتاحين
بنتولد...دافيين
بنتولد...مش خايفين
بنتولد...مش عارفين واسمنا في درب الحياة بني ادمين
بنتولد...دافيانين
بنتولد...صافيين
بنتولد...صادقين...كما زرعة خضرة في ارض طين
زرعة حصادها حصاد عمر السنين
الحلو ...والمر...والطيب والحزين....
نكبر وتكبر فينا اعمار السنين....
ونكره السنين
وتكرهنا السنين...
ونجرح البشر...
ونجرح نفسنا مع اننااااا
بنتولد...طاهرين
بنتولد...شبعاني
نعود لنتواصل السبت18/10
عيدكم مبارك مقدما
تحياتي