" في تمام الثالثة فجرا ظلام دامس يحيط به .... يتلمس جسده ليتاكد انه مازال موجودا نابضا بالحياة... ظلام يلتهم كل شيء... انين الصمت يكاد ينسف عقله... تعلم من الليالي الماضية كيف يتحرك من غرفته باقل الخسائر الممكنة....يوميا وقبل ان ينام يرسم خريطة لتحركاته بالمنزل متجنبا كل ما يمكن ان يكسر تحت السواد...كل ما عليه فعله ان ينتظر الشروق.
قيظ اغسطس يوقظه بلا ماء او كهرباء يفكر قليلا ماذا لو نسفوا منزلهم هذه المرة؟......يبتسم قليلا...فهو يدرك ان الامر كله لم يكن اكثر من" معايشة"تطمئنه والدته انها احتفظت بكمية لا باس بها من المياه يمكنه ان يستخدمها ليتوضا ان اراد الصلاة يتجه الى مصدر صوتها وقبل ان يصلها يرتطم بجسم دافىء مندى كزهرة بيلسان من الجليل:
-سامحك الله ...اصبت وجهي يا ولدي
-لم ارك والدتي..اعتقدت انك ابعد....اللعنة على الظلام...اين شموع الامس؟؟؟
يجيبه والده انها نفدت ونسي ان يشتري غيرها...
يتجهان الى الحوض يضم كفاه معا... منتظرا الماء...يسمع خريره....يعلم انه اخطا مصب والدته...يحرك يداه دائريا بحثا عن اي قطرة ...يتوضا ويعود لغرفته يتحسس سجادة الصلاة بعد ان كان وضعها نهارا باتجاه القبلة متحسبا لليل... يجثو بركبتيه.... عليه الان ان يتاكد انه داخل اطارها تماما وفي اتجاه القبلة....يتحسس جسده ويتصور مكانه داخلها... بعد ان يتاكد من استقباله القبلة يقف ليصلي داعيا لهم....
كم يشعر بالضعف حيالهم... هو لم يعد يطيق صبرا... وهم يعيشون حاله شهورا.....هو يلزم عقله ان "يتخيل""يعايش" وهم يزفون للموت ارواحهم كل ليلة... "
تكرر الاسبوع الماضي حصار غزة لمرة اخرى...استدعى ذلك بداخلي ما كنت عرفته من ابراهيم مقلد* عن احد الاباء بمدينتي..كان ما وصفته ليلة من ليالي احد ابنائه....الوالد اراد ان يربي ابناءه على ما يعايشه اهل غزة...هو يفصل الكهرباء والماء عن شقته كل ليلة بموافقة ابنائه ليعايشوا اخوانهم خلف حدود رفح.... يستمر فصل الماء والكهرباء حتى طلوع الشمس ....
هو الان لم يعد يطلب منهم ان يقاطعوا او يتبرعوا او حتى ان يحملوا همهم ....اصبح اولاده يقومون بذلك تلقائيا بعد ليلة معايشة واحدة...اعتقد ان فكرته وتربيته ابداع حقا....
عندما رست سفينة كسر الحصار القبرصية شعرت بالعجز حقا...السفينة لم تكن من طرابلس صيدا اللاذقية او حتىالاسكندرية ...كانت من قبرص.....
مابين معايشة وكسر حصار يتحرك من حولي من كل عرق ولون ودين ....ومازلت اقف اتابع باهتمام واسى فقط...
ماذا عساي ان افعل؟
-----------------------------------------
*ابراهيم مقلد شيخ بمدينتي اسلامه لا يقف عند حدود العبادة او ينتهي بعد عتبة مسجده..اسلامه يمتد لكل حركة وهمسة...اسلامه منهج حضارة لا علاقة روحانية خاصة فقط.."مقلديات : معايشة" هكذا كان عنوان تدوينتي...من كثرة ما اعتمل في من حديثه...
